الشيخ عباس القمي

505

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار

واستعلم ما عندهم من شرت العسل أي استخرجته من موضعه ، ويسئل : كيف أمر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالمشورة مع أنّه كان أكمل الخلق باتّفاق أهل الملّة وأحسنهم رأيا وأوفرهم عقلا وأحكمهم تدبيرا وكان المواد بينه وبين اللّه تعالى متّصلة والملائكة تتواتر عليه والوحي تنزل عليه ؟ يجاب : بأن ذلك كان على وجه التطييب لنفوسهم والتألّف لهم والرفع من أقدارهم وبأنّ ذلك ليقتدي به أمّته في المشاورة ولا يرونها نقيصة كما مدحوا بأنّ أمرهم شورى بينهم ، وبأنّ ذلك ليمتحنهم ويتميّز الناصح من الغاشّ فانّ الناصح يبدو نصيحته في مشورته والغاشّ المنافق يظهر ذلك في مقاله ، وليس الأمر بمشورتهم للاستضاءة بآرائهم ، ألا ترى قوله تعالى : « فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » « 1 » فعلّق وقوع الفعل بعزمه دون رأيهم ومشورتهم ولو كان على طريق الاستفادة والاستعانة لقال : فإذا أشاروا عليك فاعمل وإذا اجتمع رأيهم على أمر فأمضه ، وقرء : فَإِذا عَزَمْتُ بالضمّ والمعنى فإذا عزمت لك ووفّقتك وأرشدتك فتوكّل على اللّه وفوّض أمرك إليه . قال الطبرسيّ رحمه اللّه : وفي هذه الآية دلالة على تخصيص نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال ، ومن عجيب أمره انّه كان أجمع الناس لدواعي الترفّع ثمّ كان أدناهم إلى التواضع . أقول : وللشيخ المفيد بيان لذلك فراجع « 2 » . كلام من السيّد المرتضى يناسب ذلك « 3 » . الحث على المشاورة في الحثّ على المشاورة ، والمشورة مع الذين يخشون اللّه تعالى ، وانّ النساء

--> ( 1 ) سورة آل عمران / الآية 159 . ( 2 ) ق : 4 / 30 / 188 ، ج : 10 / 414 . ( 3 ) ق : 8 / 22 / 253 ، ج : - .